محمد أبو زهرة

1249

زهرة التفاسير

في الآيات السابقة بيّن اللّه سبحانه وتعالى كيف كان الحمل بعيسى ، وما أجراه اللّه تعالى على يديه من معجزات ، وكيف كان عبدا من عباده الصالحين ، وذكر دعوته إلى ربه ، ومعاداة قومه له ، وتقدم الحواريين ليكونوا أنصاره إلى اللّه ، وكيف مكر القوم به وأحبط اللّه مكرهم ، ثم توفاه سبحانه ، ورفعه إليه ، وجعل فوقية للذين اتبعوه في هدايته ، فآمنوا بوحدانية اللّه وبرسالته ، وليس منهم قطعا أولئك الذين قالوا إنا نصارى وادّعوا ألوهيته ، أو أنه ابن اللّه ، تعالى اللّه عما يقولون علوا كبيرا . وإنه في هذه الآيات يبين اللّه سبحانه وتعالى حقيقة تكوين عيسى ، ويزيل وجه الغرابة في ولادته ، وأن اللّه تعالى لا يتقيد بالأسباب والمسببات ؛ لأنه خالق كل شئ ، وهو الفاعل المختار ، يخلق الأشياء بإرادته واختياره ، ولا تصدر عنه المخلوقات صدور المعلول عن علته ، كما يتوهم الماديون الذين عاصروا عيسى عليه السلام ، والذين يعاصروننا اليوم ، وإن اللّه سبحانه كما خلق الإنسان الأول آدم من غير أب ولا أم ، فكذلك خلق عيسى من غير أب ، وهو سبحانه ذو القوة المتين . ولقد بين سبحانه هذه الحقيقة بقوله : إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ يبين اللّه بهذا النص الكريم مكان خلق عيسى عليه السلام من قدرته سبحانه وتعالى ، بجوار خلق آدم من تراب ؛ فاللّه سبحانه وتعالى خلق آدم من تراب ، أي من غير أب ولا أم ، ومن مادة ليس من شأنها أن يكون منها إنسان حي ينطق ويتكلم ، وقد تعلم الأسماء والأشياء كلها ؛ ومعنى النص الكريم : إن حال عيسى في تصويره وتكوينه من غير أب بالنسبة لقدرة اللّه تعالى كحال آدم صوره وكونه من طين . وفي هذا التمثيل احتجاج على النصارى الذين ألّهوا المسيح عيسى ابن مريم لأنه خلق من غير أب ، واعتبروه ابن اللّه والاحتجاج من وجهين : أولهما : أنه إذا كان خلق عيسى من غير أب مسوغا في زعمهم لأن يكون إلها أو ابن إله ، فأولى بذلك ثم أولى آدم ؛ لأنه خلق من غير أب ولا أم ، ولا